إن وليدة القرن العشرين الأعظم على الإطلاق لم تكن في التوسع الإستعماري للثقافات والحضارات بل في ذاك الحيز الذي ادخلته مجموعة الانهيارات في الأنظمة الأحادية للحكم سابقا على شكل الحكم نفسه وفلسفة التشريع في الدول. فمنذ مطلع العام 1900 م بدأت معظم الدول المنضوية تحت لواء الحكومات الأوليغارشية، الأحادية، او الدينية-الغربية الأوروبية بالسقوط تباعا لضعف الهيكلية الحاكمة فيها بالإضافة الى عدة عوامل أساسية أخرى، أسست لاحقا الى انهيار منظومة الحكم(الدكتاتوري) بالكامل مع بعض الاستثناءات وبالمقابل برز في خضم هذه الانهيارات نظام (جديد – قديم) قوامه رغبات الناس وصلبه فعاليتهم كأساس في الحكم. حتى امسىت كلمتهم الثقل الاول لتغليف الحكومات بغشاء الشرعية السياسية.
الا ان الجدال ليس حول احقية هذين النظامين في الحكم او ايهما اعظم انتاجية ونجاحا سواء اثبت واقعيا او نظريا.
ان الديمقراطية حسب التعريف الأول لسولون* تعني حكم الشعب عبر انبثاق سلطة عنه مخولة مسك امور االدولة الاساسية، يعطيها ثقته عبر اختياره لها في بادئ الامر.لقد عرفت الامم التي تبنت مثل هذا النظام شكلين لطريقة الاختيار. الشكل الأول وقد عرفته امم العهد القديم التي تجلت في الدول التي تشكل (اليونان) حديثا، قوامه حصر وتضيق لمفهوم الشعب القادر على الاختيار وانتقاء الحاكم . وأخر يحكم عالمنا بشكل شبه كامل يدخل في نواته ما يفوق ال 66% من مجموع الدول حول العالم يعمد الى إطلاق مفهوم الكلمة الأولى الى اوسع مدى ممكن مع بعض الشروط المتفاوتة بين بلد واخر. وهنا تكمن المعضلة الاهم، من هو الشعب الذي اريد من اطلاق هكذا مفهوم على شكل الحكم هذا ( الديمقراطية).
لما كانت السياسة علم الحاكمية فإنها كانت بحاجة منذ البدء الى وجود قاعدة من الخبراء القادرين على المضي قدما فيها أسوة بغيرها من العلوم، غير أن المعضلة هنا تنصب على هيكيلية ايصال هؤلاء الى مناصبهم..من يوصلهم وعلى اية اسس.
ان التفلت في توسيع معنى الشعب المنتقي للسلطة في مرحلة الأونة الأخيرة من هذا القرن اودى بإدخال العبثية المقننة* اذا صح التعبير الى جزء كبير من مجالس الحكم والتدبير على صعيد الدولة تحت اي لوء انضوت من شكل الحكم الديمقراطي (جمهوري، برلماني او فيدرالي) لا لأن العبثية تقبع في الحكام او في النظام انما لوجودها اساسا في المختارين انفسهم. فإن التشتت الذي يطغى على الاساس سيودي وبكل حتمية الى انهيارالنتيجة ولو بعد حين. فإن ارجاء كل هذه الصلاحيات الى كل من هبّ ودبّ على اختلاف مستوى ثقافتهم وتحصيلهم العلمي والاهم خبراتهم في المجال السياسي سيؤدي الى وصول الكثير من المرشحين المتطفلين على مفاصل السلطة بحكم فوضى القرار العشائري، الديني/المذهبي او الحزبي المتجذر قسريا بحكم الحيز المكاني والزماني الذي ينشئ فيه الافراد. فإن وصول مثل دونالد ترامب او بوريس جونسون* الى رئاسة اعظم دول في العالم اكبر دليل على ضعف وعي القاعدة واتباعها للافكار الجاهزة للاستهلاك، المطبوخة من أصول الحزب الجمهوري او المحافظين مسبقا. ثم انه لا جدال في تأصل مفهوم الفوضى تلك في صلب مجتمعاتنا العربية وبالأخص اللبناني منها وانها مصدر كل خراب يعيث بها فسادا من كل ميل. وان السبيل الوحيد الى حل منظومة الفساد التي تتخلله هي في العودة الى الشكل الأول للإختيار اي في تضيق مفهوم الشعب بحصر القاعد الانتخابية بالنخبة من المثقفين والخبراء في المجال السياسي واخراج كل هجين من دائرة التدخل في الشؤون التي تخرج عن مستواه ودرايته.
الا ان السؤال يبقى قائما حول امكانية تطبيق مثل هذه الرؤية في واقعنا الحالي بنزع كل مظاهر صوت الشعب القاعدة، والعودة الى الحكومة الاوليغارشية الظاهر وهدم مجمع الفكر الجماعي وتضيق نطاق التحررية* الدستورية وقمع الحريات.
إبراهيم شحوري
سولون مفكر وفيلسوف يوناني
العبثية المقننة مصطلح سياسي يعبر عن الفوضى النابعة عن قوانين شمولية
بوريس جونسون، رئيس وزارء بريطاني حالي
التحررية الدستورية: مجموع الحريات المذكورة في الدستور
