الحقيقة

قرنت الكلمة مع الخلق الأول فتم، فكانت وترا لكمان أصم وبذرة لأرض جرداء ترد اياها الحياة. الا ان في احدى الفلسفات العربية لخانعي الفكر ما البذرة الا ثغرة أقحمت في جنة أجدادهم الخاوية الفائضة غرورا وكبرا فطمست البذرة تحت نعال الزمان الفار من أرض سقيمة كان لا بد لها أن تكون روضة لولا مرارة النفس الوضيعة التي دست فيها.

ففي حين أننا نقطن في أرض ما للكلمة غرض فيها سوى القمع، وما للريشة غرض سوى تبجيل وجوه حنطت بالدر والألماس، وما للنوتات غرض سوى التراقص على سلم موسيقي يدق لمن هم أولى بقاءا فوق التراب، شهد وجودنا وشخصنا انكسارا فباتا كالقوالب الفخارية يحرك وينقل على الرغم من أن الحنجرة حنجرتنا والالوان ألواننا وخشب العود خشبنا، فما بالنا؟ ألا تصهر النار المضمورة فينا السيوف المسلولة فوق أعناقنا؟

أيطاوع قلب احدكم أن تسلب النفس وهي مقطوعة الأنفاس حية تتمايل بين الحقيقة والرياء، حقيقة الوجود. في مستنقع احتوى ما تقشعر له الابدان، ما لا تفقهه العقول ولا تصدقه الأعيان، أيعقل أن هنالك ذاك الكم الذي لا يفنى من الحقد والكراهية، من السؤم والاستنكارية لحقيقة الوجود؟

رحلة ملؤها الشقاء والتعب، وأنا بكل ما أوتيت من بدن وجسد ألوذ بالفرار، اخترت الهروب مأوى الى أن يستيقظ الضمير ، الا أنه لا بد من أن يجدني الضيم، كيف لا وقد خط مساري بأدمع اندلقت من جفن وهربت منه كهروبي أنا. فؤادي لا زال يتمايل في كون على طبول الحرب تربع، في كون لا يرف له رمش من الانقباض على روح بريئة أرادت يوما أن تكون انسانا حرا طليقا .

هربت الدمعة كهروبي أنا من الحقيقة، وخطت ورائي مسارا لتلك الخطيئة، فأين البيت الذي ما سأمت مخيلتي من رسمه ؟ تراه عند الرياء رهينة، أهو رياء حقا أم خوف من الحقيقة؟ لطالما كان فسحة لامالي رغم الأوهام التي كانت لأحلامي شقيقة، أي أحلام تلك؟ ألم تكتفي نفسي من الخديعة وخلق الذريعة؟ ألم تكتفي نفسي من تقبل فكرة أن هناك مكان للرذيلة؟! لرذيلة تقدس وتعبد من أصنام استكانت للصمت ذليلة، وهو أشد مرارة من أي خطيئة. أيشاهد الذنب وأنتم كأنما الطيور على رؤوسكم جليسة؟!

أي شعب هذا؟! أويموت الوطن؟ أويموت الحلم؟!

كل هذا وتريدون مني تقبل الحقيقة!

البيت

لطالما أردت متنفّسا ألوذ اليه عندما تتثاقل على منكبي تنكيلات الحياة، او ثغرة تسيل منها أحاسيسي كانت قد نجمت يوما ابّان تخبطاتها مع الفؤاد وجدرانه، أو منبرا أتشاركه مع من يتلذذ بطهو الابجدية ،ويتشرب بشغف قدسية الحرف الساكن صميم القلب، الصاعد من قعر الروح، لتتصادم أقلام القدر وأجد نفسي أكتب على مدونة كانت يوما ملفا محفوظا في درج أحلامي.

لذلك ستكون منسوجتي الأدبية هذه أول ما حاكه القلب حبا في صيف العام الماضي، حين فاضت روحي وأريقت في عالم دستوره فلسفتي، فوجدت من يشيد حصنا ليضيف لعالمي لونا… لفوج القلعة، فوج صيدا الخامس، لكم حرفي اليوم.

⚜مع تسلل الليل بخفة الى عالمنا ليضيء فينا نورا ما لبث أن أشعل افئدتنا بشيء من ذبذبات الصباح كنا تحت مظلة من النجوم التي اعتلت السماء فكانت صديقا يؤنسنا من وحشة الدجى ،صديق كالبقية يؤنسنا حين تتغلف قلوبنا بشيء من الظلمة …

كنا هناك نستمد من القمر ما يزين أعيننا و يكحلها كنسمة امل لا بصيص ملل، كان ملهما كعيون ريم بايدي الشعراء أو رذاذ حب مفقود بايدي مستغانمي.

تحت كل هذا بانت عائلة كأنما ولدت من جديد  ،ولدت من ورقة شجر و حفنة تراب و نسمة كانت بمثابة الحياة داخل نفس اختارت الرمضاء و الصحراء ملاذا… أجل ولدت من الطبيعة و روعتها التي تكمن في بساطتها،  ربما لا يدركون هذا بعد و لكن لن تستحيل روحهم  عائدة لأصلها قبل كشف الحقيقة …حقيقة طينتهم حقيقة طبيعتهم حقيقة مطافهم.

لطالما كانت تراودني افكار تشدني نحو الحقيقة ومعرفتها، والبحث عنها دون كلل الا أن الإجابة احيانا تكون أمام ناظريك، لكن صبغة جهل تظهر امام البصيرة فتعميها …فلطالما كان الجواب أمام عيني … جواب لا يملّ طفل بريء منذ نعومة أظافره من ملاحقته، فالجواب هو ذا، جواب حقيقة وجوده، بل هو الحقيقة برمتها و لتحلق الحقائق الأخرى إلى الهاوية ….

هل الجواب كتف تجده عند الحزن؟ ام بسمة عند الامل؟ أم روح اتت لتمازج روحك؟ ام الوسيلة التي عبرتها للوصول إلى الدنيا ؟… هل الحزن أكثر مقاما من الفرح؟ أم الحاجة لمن يبتسم لفرحك أولى منها لمن يبكي لوجعك؟ أم من رماك بين أروقة الطريق لتشدو و تكسر و تكبر و تتشبث؟ أم ذلك الطيف الذي ترى لروحك انعكاسا خلاله ؟ أيهم أولى مقاما؟ ايهم أولى مقاما ليكونوا للبيت معجما؟


بعد اخفائهم لبريق المصابيح المعلقة و سلبهم النمل لسكونهم و لحظتهم في إيصال دبيب  عجزوا عن ايصاله في وضح النهار جراء تطفل الإنسان على أرضهم، بعد كل هذا نفض الغبار عن أحرف عرقلت ادراكي لمفتاح شيفرة لغزي، أبصرت الحقيقة كاملة، و كيف لي ان اتغافل عن حقيقة كتلك؟ ببساطة هم كانوا الجواب، اجل هم أنفسهم كانوا جوابا لمعضلتي، هم الكتف والبسمة والروح، هم البيت⁦ ️. ⁩🍃

لوحة للفنان الإيراني ايمان ملكي- البيت
لوحة للفنان الإيراني ايمان ملكي