العلم هدف الخلق الأول

أن الخلق لما سويت بنيانه، ومكنت له اركانه، وصير الى الحقيقة مكرها – بالرغم من رفض الصالحين وترصد الشياطين له عند باب كل أرض وفي اطلاقيات السماء ورحابها- لم يكن بعثه من العدم عبثيا، فارغا من معاني الحكمة، عقيم الهدف، شحيح الرؤية، هزيل البنيان، انما جاء ليمجد عظمة الخالق في اروع تجليات مجده والتي اسكنت خلقا جديد المعالم يحمل في صميمه جوهر الالهة وعنفوان السماء، والتي ما فتئت منذ اللحظات الأولى تميزه عن باقي الخلق الملقن في مبارزة أثبت فيها رفعته عن سكان السماء وأوجبت له الامتثال والإذعان رغما. اذ ان خاصية الحيز المكاني التي اريدت له بالتزامن مع قصر الزمن الذي يشغله الفرد فيه، استوجبت ان يحمل في سريرته جوهراً فريداً مترفعا عن الزمكان الذي يقيد حامله؛ متمثلا في قابلية العلم وتركيب المعطيات المتأتية من عوامل خارجية مع رغبة شعواء للمعرفة لا تشبعها فكرة ولا يرويها تقدم عبر الية جديدة لم يشهدها المتخلفون عن المشهد الجديد من قبل، تمثلت بالقدرة على تدوين العلم المكتسب وحفظه.

إن الطريق التي رسمتها السماء لربيبها الأرضي هذا شكلت محورا فريدا في الكون تمثل في بروز حيوات عظيمة مفادها السعي الى التماس معرفة بكل ما يحيط بها، سعيا منها الى منافسة الالهة القديمة في العلم والقدرة على الإستمرار والبقاء مقارعة كل دخيل يهدد بقاءها فما كان منها الا ان اكتنزت كل موجود كسبيل الى تحصين نفسها بالعلم المنيع وبكل نتاج يكشفه لها ما حصلته. لقد عرفت هذه الأمم منذ وجودها ان المخاطر التي تحيط بها باقية ما بقيت وأن لا وسيلة لتقدمها وتطورها الا بالعلم، وانه الحل الوحيد الذي من شإنه ان يضمن رفعتها ويحفظ سيادتها على ما يجاريها من مخلوقات تشاركها حيزها الجغرافي. وأن المجد الذي تسعى الى بلوغه منوط بحجم العلوم التي تنتجها وتطورها في مسار حياتها كسلالة بشرية لا كأفراد. ثم انه امسى اساسا لكل امل يضمره حامله في حياة عظيمة ولكل طموح في امساك مفاتيح المعرفة ومتفرعاتها اذ يصبح بذلك قادرا على التجلي بصورة الاله المؤقت (اذا صح التعبير) العالم بسيرورة الامور ومجرياتها، المتنبئ بالحوادث قبل زمانها، والمستأثر بالسلطة على كل صغير وكبير

لكن لو أننا ابتعدنا قليلا عن الماديات التي لطالما استهلكت هذه الحياة ووسعنا من دائرة النشاطات التي شغلت خاطر البشرية خارج نطاق الملموس لوجدنا أن الركن الأعظم الذي دفع لكسب العلم والتعلم هو السعي نحو اكتشاف الحقيقة التي ينضوي فيها سر الكون الذي يجتاحه يوما بعد يوم، املا ان يصل الى نقطة حيث يتمارى الخلق مع الخالق والمادي مع الروحي، وصولا الى الإقرار بوجود خالق من عدمه. كما هو الامر في علوم الفلسفة التي سادت الشرق القديم الذي دأب جاهدا الى معرفة الحقيقة التي تسمحُ له أن يتحرّر من ذاتيته، التي طالما ما كان ينسحبُ إليها كملجأ عندما يعجَزُ عن وضع علاقة بينه وبين تصوّراته للعالم في إطاره المادي والميتافيزيقي.

فضلا عن ذلك فإن مجتمعا اتخذ من العلوم والمعارف ركنا حصينا لبنيانه واستمراريته لا بد ان يجعل من حملة العلم فيه مثالا وقدوة يتباهى بها تاريخه وحاضره على السواء، بل اكثر من ذلك فإن مسيرته عبر التاريخ قد اسست لنوع من التمايز بين العنصر البشري الذي يشغلها، فغلبت المتنورين بالعلم على الجهلة والمتحجرين لما لهم من دور في استمرارية الحياة والحفاظ على النفس البشرية وتقدمها في شتى المجالات التي اسست جهودها الى عقد من الرخاء الذي لم تنعم البشرية به قبلا. حتى اننا لو قرأنا في الاديان ومجموعة العلوم التي اضفتها الى مسيرة التطور البشري لوجدنا ان الخالق للبشري الاول ميز بين حملة العلم من عدمه بصريح العبارة ( قل هل يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون). ذلك اننا لو رجعنا الى الهدف الاول من الخلق لوجدنا ان هؤلاء اكتسبوا مكانتهم تلك اذ انهم يخدمون الهدف من وجودهم.

ان العلم وعلى امتداد الزمان سيبقى الشعلة الاولى التي تضيئ درب البشرية جمعاء الى الهدى، والنبراس الذي يشيد بيوتا عمادها المعرقة. ويبقى الوسيلة والهدف على حد سواء لكل ساع لتصيد النجوم وما بعدها. وحتى يصير الفكر مرادفا للحقيقة يجب ان يبقى السعي الى فهم مغزى الاشياء قائما، وإحلال المعارف موضع تبادل بين البشرية جمعاء نشطا حتى تصبح التجربة المعاشة اساسا يبنى عليه علم اللاحقين، الى ان يتجلى في نفسه المغزى الذي وجد من اجله وهو أنه مخلوق من اجل البحث عن الحقيقة .


ابراهيم شحوري

العلم الخلق
ويبقى الوسيلة والهدف على حد سواء لكل ساع لتصيد النجوم وما بعدها